ينقسم الجيش العثماني على حسب ترتيبه الحالي الذي هو من عمل جلالة السلطان عبد الحميد إلى ثلاثة أقسام كبيرة وهي ( الأول ) القسم الموظف العامل ، وهو يتألف من قسمين : أولهما القسم النظامي ،
أي الموجود تحت السلاح ، وثانيهما القسم العامل المأذون . ( الثاني ) الرديف : القسم الاحتياطي من الجيش ، وهو يتألف أيضًا من قسمين . ( الثالث ) المحافظ ، ومدة الخدمة العسكرية محددة بعشرين سنة ، هاك بيانها : للجيش العامل ست سنوات ، أربعة منها للقسم الأول منه ، واثنتان للقسم الثاني ، وللجيش الاحتياطي ثماني سنوات لكل من قسميه أربعه ، وللجيش المحافظ ست سنوات ، ولا يُقبل في الخدمة العسكرية سوى المسلمين من رعايا الدولة ، وأما غير المسلمين فحق أداء الخدمة العسكرية يستعاض عنه برسم يدفعونه يُسمى البدل العسكري ، فكل ذَكَر من الرعايا العثمانيين غير المسلمين يدفع مسانهة من حين ولادته هذا الرسم المسمى ضريبة الدم ، وهذه الضريبة تجبيها كل طائفة على حدتها ، وتدفعها مسانهة للخزينة .قد قرر قانون تشكيل القرعة العسكرية الصادر في سنة 1889م وجوب تأدية الخدمة العسكرية على كل مسلم في المملكة العثمانية واستثنى من ذلك سكان العاصمة؛ بسبب وجود امتيازات قديمة لهم ، وثلاثة أصناف لا تحسب من الجيش وهي :
( 1 ) رجال الشرطة في العاصمة والولايات
( 2 ) الجنود غير المنتظمة
( 3 ) ما يلزم تقديمه من العساكر على خديوي مصر . حدد سن القرعة من سنة 1886م بواحد وعشرين سنة وحدد من يلزم اقتراعهم في السنة بعدد بين الخمسين والستين ألفًا ، القسم الذي لا يطلب من المقترعين لأداء الخدمة متجزئ جزئين ، أحدهما :
يحسب في صف الجنود ، ويلزمه أن يبقى تحت التعليم العسكري في كل سنة من شهر إلى ستة ، بل إلى تسعة شهور بحسب درجة أهمية المكان الذي يقيم فيه العساكر المؤلفون له ، وثانيهما : لا يلزم بالتعليم إلا مرة في الأسبوع يوم الجمعة بعد الصلاة .
في زمن الحرب نرى في تحريك الجيش هذه الأعداد وهي :
( أ ) 350000 من الجيش العامل بقسميه النظامي والمأذون .
( ب ) 450000
من الجيش الاحتياطي ( الرديف ) .
( ت ) 200000 من الجيش المحافظ ، فترى أن الجيش في زمن الحرب يبلغ نحو مليون مع 1512 مدفعًا سهليًّا ، و330 مدفعًا جبليًّا ، وجميع القوى العسكرية للمملكة العثمانية منقسمة إلى فيالق ، يرأس كل فليق منها مشير أو قائد فرقة ( فريق ) ويدير مجلس التعليمات العسكرية بكل فليق ( أركان حرب ) نظام الحركات العسكرية ، أما مجلس الشعبة لكل فيلق فعليه النظر
في الأمور الإدارية .
وعدد الفيالق المذكورة سبعة ، مراكز إداراتها في هذه الجهات هي ،القسطنطينية : فيها الفيلق الأول وهو فيلق الحرس الشاهاني . أدرنه : فيها الفيلق الثاني . موناستير : فيها الفيلق الثالث . أزرنجان فيها الفيلق الرابع . دمشق : فيها الفيلق الخامس . بغداد فيها الفيلق السادس . اليمن : فيها الفيلق السابع . ويلزم أن يضاف على هذه الفيالق الفرقة العسكرية في طرابلس الغرب وفرقة
الحجاز .
نظارة الحربية أو السر عسكرية هي تحت أوامر جلالة السلطان الذي هو رئيس الجند ، وهو يديره ويراقبه بمساعدة المجلس الحربي الأعلى المسمى بدار الشورى العسكرية ، وهذا المجلس يتشكل من مشير وستة قواد فرق ، وبمساعدة مجلس الطوبجية المسمى بمجلس الطوبخانة العامرة ، ولما كان رئيس الطوبجية معينًا من قبل جلالة السلطان ، ومتعلقة أعماله بجلالته وبنظارة الحربية بلا واسطة - كان له بطبيعة وظيفته التي تجعل له اليد العليا على الطوبجية والمهندسين من
الاختصاصات ما يكاد يساوي في درجة أهميته اختصاصات ناظر الحربية .
وقد اشتهرت عساكر المشاة العثمانية في كل زمان بقوة مقاومتها ، وبشدة بأسها في الهجوم على عدوها ، فإذا هجمت عليه بأطراف الحراب كانت كصواعق آدمية لا يتأتى دفع انصبابها إلا بقوةٍ تفوقها بكثير ، وإذا دافعت عن حصن ترى العسكري منها ملازمًا على الدوام لموقفه ، كالصخرة ثباتًا ورسوخًا .
عدة العساكر المشاة العثمانية هي أبسط أنواع العدد وأكثرها نفعًا ، فملابسها هي مؤلفة من سترة وسراويل ( بنطلون ) ورباط الساق ، وكلها باللون الأزرق القاتم وطربوش ، ويُستثنى منهم أورط الحرس الشاهاني ؛ فإن لباسهم السترة الزواوية ( زواوة : قبيلة إفريقية تزيَّت بزيها الجنود الفرنساوية ) والسراويل ، ولا يمضي زمن كبير حتى تتسلح المشاة ببنادق (موزر) ذات الطلقات السريعة التي قطر الواحدة منها تسعة ملليمتر ونصف ، والتي قررت الحكومة العثمانية في سنة 1887م استعمالها بدلاً من بنادق (مرتيني هنري) وبنادق (رومنتون) التي كانت مستعملة إلى ذلك الحين ، وقد أبرمت الحكومة العثمانية مع شركة (موزر) اتفاقًا مُؤَدّاه تعهد هذه الشركة بأن تورد لهذه الحكومة خمسمائة ألف بندقية من ذات الطلقات العديدة للمشاة ، واثنين وخمسين ألف منها للفرسان ، وبدئ بتنفيذ هذا الاتفاق في سنة 1881م ، وقد قاربت أقساط التسليم أن تتم .
إن الفرسان العثمانية تفوق كثيرًا الفرسان الأوروبية ؛ بسبب أنها يمكن أخذها من أمة معتادة من مهدها على ركوب الخيل ، على حين أن هؤلاء العساكر في أوروبا حيث يؤخذون من كل طبقة يكثر أخذهم من طبقات العمال والزراع كما يؤخذون من الطبقات المعتادة على الركوب ، ولما كانت الخدمة العسكرية للفرسان أربع سنين لا ثلاثًا كما في فرنسا وألمانيا ، كان في العساكر الفرسان العثمانية بسبب طول مدة الخدمة مزايا لا ضرورة لإيضاحها ؛ لأنها غنية عن ذلك ، وقانون التعليم
العسكري وإن غير تغييرًا تامًا ، الأحوال التي يجب أن تكون عليها تمرينات الفرسان إلا أنه لم يقلل أهمية هذا القسم من الجيش بطريقة ما .
لم يبق موجب لاستعمال حشد الجيوش في ساحة القتال وللجهات الكبرى للجيش برمته مع وجود البنادق ذات الطلقات السريعة والمدافع البعيدة المرمى ، أما الفرسان فهم عيون الجيش ، وستاره الذي يختفي وراءه أثناء إجراء حركاته ، وحينئذ فاللازم في تشكيل الجيش تشكيلاً صحيحًا أن يكون فيه عدد عظيم من الفرسان ، وعدد الفرسان العثمانية خمسة وثلاثون آلايًا ، كل منها مؤلف من خمس أورط ، وهذا العدد ربما ظهر للقارئ قليلاً بالنسبة لحالة تركيا الحربية ، ولكن جلالة السلطان قد وجد في حب رعاياه المخلصين لأوطانهم طريقة في مضاعفة هذا العدد ، بل في جعله ثلاثة أمثاله في زمن الحرب ، وسلاح عساكر الفرسان العثمانية يتركب من سيوف منحنية قليلاً ، وبنادق صغيرة القطر ، وبعض الآلايات لها رماح ، والمظنون أنها ستوزع على جميع العساكر الفرسان ، وكسوة هؤلاء العساكر تتألف من سترة بسيطة بصف واحد من الأزرار ، وسراويل سنجابي اللون ، ونعال بروسيه ، أما خيلهم فهي في الغالب من الجنس التركي الفارسي ، أو العربي الهجين ( المختلط النسب ) وهذه هي الخيل التي يغلب فيها القصر والضمور ، والمزاج العصبي ، ومرونة السوق ، والصبر على المشاق ، وهي عظيمة الإدراك والانقياد .
يتألف معسكر الطوبجية من 252 بطارية ، لكل بطارية ستة مدافع ، وجميع عدد الطوبجية المعسكرة والقلاعية ومنها المدافع وملحقاتها يستحضر من معامل كروب في آسين ولكن بعض المدافع أيضا يصنع على شاكلة مدافع كروب في المعامل الكبيرة للطوبجية بالقسطنطينية ، أعني في الطوبخانة .
والبطاريات الجبلية جديرة حقًّا بتنويه خصوصي من حيث الحذق البديع الذي يُرى في تحريكها ، فالمدفع وذخيرته تحمله أربعة بغال ترفع أحمالها ، ويعد المدفع للعمل في أقل من دقيقتين ، وكسوة الطوبجية عبارة عن دولمان أزرق قاتم وقرج أسود ، وسراويل سنجابي ، ونعلين ، وعوضًا عن الطربوش الذي تلبسه المشاة تلبس الفرسان والطوبجية قبعة من شعر أسود شبه بالذي كان يلبسه قبل سنة 1870م الصيادون الفرسان ، وفرقة الفرسان الفرنساوية المسماة بالهوسار ، تؤخذ فرقة الضباط من ( الصف ضباط ) وتلامذة المدارس الحربيين في قومبر خانة و بنغالدي والأولى للعلوبجية ، والثانية للمشاة والفرسان وأركان حرب ، لم تكن فرقة أركان حرب أنشئت في تركيا حتى الحرب الأخيرة ( حرب الروسيا ) ويمكن أن ينسب بلا شك لعدم وجودها تأثير عظيم في نتيجة الوقائع الحربية ، فشكرًا لجلالة السلطان عبد الحميد إذ قد سد هذا الخلل ، فإنه قد أنشأ من سنة 1884م في مدرسة بنغالدي قسمًا لأركان حرب يقابل للمجمع الحربي في ألمانيا والمدرسة العالية الحربية في فرنسا ، تدخل التلامذة مدرسة الطوبجية والمهندسين في الخامسة عشرة من عمرهم ،
ويمكثون أربع سنين في القسم التجهيزي ، وسنتين في القسم التالي ، ثم يرقون إلى وظيفة ملازم ثانٍ ، وبعد أن يقضوا سنة في إتمام دروسهم يخرجون من المدرسة برتبة ملازم أول .
أما في مدرسة بنقالدي فيمكث التلامذة ثلاث سنين ، ثم يخرجون برتبة ملازم ثانٍ ، والفائقون منهم لإخوانهم المعدون للدخول في فرقة أركان حرب يقضون في المدرسة ثلاث سنين أخرى ، ثم يخرجون بوظيفة يوزباشي .
نظام هاتين المدرستين العظيمتين لا يعوزه من الكمال شيء من حيث التربية والتعليم النظري والعملي ، وتعليم اللغات الأجنبية فيهما أكثر تقدمًا منه في المدارس الحربية للبلاد الأخرى ، ويوجد تحت مدرستي قمبرخانة وبنقالدي مدارس تجهيزية تسمى بالمكاتب الإعدادية الحربية بكل من أدرنه ومناستير وبروسه وأرضروم ودمشق وبغداد وقبيلي وفي ضواحي القسطنطينية على الجنب الأسيوي للبوسفور ويدير هذه المدرسة الأخيرة أميرلواء ، أما المدارس الأخرى فيديرها قائمو مقام ، أو رؤساء طوابير ويدخل التلامذة هذه المدارس في سن الثانية عشرة ويقضون فيها
ثلاث سنين .
إن العمارة البحرية العثمانية وإن كانت قد أبلت أحسن بلاء في حرب سنة 1877-1778م إلا أنها قد خرجت منها بعد أن وضعت أوزارها متضعضعة مختلة النظام بعض الاختلال ، واقتضت حالتها هذه تجديدها أيضًا ، كما اقتضت التجديد أيضًا حالة الجيش ، وقد عملت جلالة السلطان على هذا التجديد حتى تم الآن ( مبالغة ) بما أوتيته من بُعد النظر في عواقب الأمور ، وصدق العزيمة الذي
يقارن تنفيذ جميع مشروعاتها الإصلاحية ، فلم يبق إلا مجرد الاختبار النهائي الذي يعقب تحريك العمارة تفصيلاً ، وهو أمر تابع لأصول الإصلاح التي وضعت ، أصبحت العمارة العثمانية اليوم تشتمل كما في الإحصاء الأخير لسنة 1894م هذه السفن وهي :
من المدرعات سبع بوارج كبيرة وثلاثة يخوت ملوكية ، وثلاث سفن صغيرة وواحدة وعشرون من النسافات ( التوربيد ) وقد تضاعف هذا العدد الآن ، وسفينتان غواصتان من طراز فوردنفيلد تسع جميعها 69697 طونولاتو وقوتها الاسمية قدرها 39946 حصانًا بخاريًّا ، وفيهما 360من مدافع كروب واسترونج وفوردنفيلد ، وعدة عساكرها5420جنديًّا يديرهم 505 ضباط ، واثنتي عشرة من السفن الخشبية التجارية ، وثلاث بوارج ، وسبع سفن صغيرة ، و 12 سفينة من
حافظة الشواطئ و18 من ذات الدقلين ، فجملتها أربعون سفينة تسع 40912 طونولاتو وقوتها الاسمية 1913 حصانًا بخاريًا ، وفيها 318 مدفعًا مختلفة الأقطار ، وعدة عساكرها 7454 جنديًا يديرهم 695 ضابطًا ، من السفن الشراعية ، واحدة من السفن الجارة وأخرى من ذات الدقلين ، وواحدة من السفن المستطلعة ، و30 من السفن النقالة ، وجميعها تسع 8275 طونولاتو ، من البوارج المدرعة يجب أن نذكر البارجة الحميدية التي ركبت البحر في سنة 1885م من معمل
الأميرالية في القسطنطينية وهي سفينة فاخرة تدل على أن الأتراك في صناعة البوارج البحرية يقدرون على مجاراة الدول الأخرى ذات القوى البحرية ، تشتمل الآن المعامل العثمانية في القسطنطينية وأزمير بإصلاح عدد من السفن الكبيرة والصغيرة ، وتجربتها لجعلها ملائمة للحركات العصرية .
قد اختارت حكومة جلالة السلطان للمدافعة عن شواطئ المملكة وتسليح مدرعاتها المواد النسافة ، وذلك لبساطة تركيبها وعظيم أثرها ، فلو أن عمارة أجنبية حاولت الهجوم على بوغاز الدردنيل لتدخله ، لصبت عليها مصائب عظمى من والآسيوي - ومعرضة في كل دقيقة لنسف النسافات ( التوربيد ) التي بتوالي صفوفها تقطع عليها طريقها ، ولا تمكنها بحال من الأحوال من وصولها إلى
رأس نجارا ، ومع ذلك لو أن بعض السفن الحربية الأجنبية نجحت بقوة التيار في اجتياز هذا المعقل الأول ، فلا بد لها أن تصادف السفن الحربية العثمانية ، وتكون ملاصقة له ، فتحطم منها هذه في أقرب وقت بمساعدة القلاع المتواصلة على الشاطئ ما بقي سليمًا بعد اجتياز ذلك المعقل ، وفضلاً عن ذلك فإن من يملك بوغازالدردنيل فهو الذي يملك الشاطئ الأوروبي ؛ لأن الشاطئ الأسيوي أقل منه أهمية ، فأي محاولة من العدو في إنزال جنوده عليه - إما في شبهة جزيرة غاليبولي أو غربها - لا بد أن تؤدي به إلى هزيمة فاضحة ، وبعد أن تطحن جنودَه قوى الجيش العثماني المراقب الفائق عليه يبلغ به العجز إلى حد أنه لا يمكنه أن يجد سبيلاً للالتجاء إلى مراكبه ، ويضطر بلا شك إلى تسليم أسلحته .
مدة الخدمة في العمارة البحرية اثنتا عشرة سنة ، خمسة منها في القسم العامل ( النظام ) وثلاثة في القسم الاحتياطي لهذا القسم ، وأربعة في القسم الاحتياطي الحقيقي ( الرديف ) .
لا ينقص فرقة الضباط التي تخرج من مدرسة حلقى البحرية شيئًا تحسد عليه ضباط فرنسا وإنكلترا البحريين ، قد شغفت جلالة السلطان بأن تمنح للعمارة التجارية ما يلزم لانتشارها من وسائل التشجيع والتنشيط ، فالفضل لحكومتها الحالية في إسداء تركيا المدرسة التجارية البحرية التي أسست في حلقى من أربع سنين ، وهي تربي رؤساء السفن ( القبودانات ) الكبيرة والصغيرة التي يتجر بها على الشواطئ ، كما تخرج رؤساء السفن المعدة للاتّجار في البلاد البعيدة الذين سيكون لهم خدم مشهورة في التجنيد البحري ، يتعلق بنظارة البحرية أيضًا من مشاة العساكر البحرية ما عدده 5000 أو 6000 عسكري ، تستحق النظر هنا لأنها مختارة من أحسن جنود المملكة العثمانية .
تنقسم تركيا من حيث ترتيب العمارة البحرية إلى تسعة مراكز بحرية وهي : القسطنطينية وأسكودار وتشيو وبريفيزا وسالونيك وكريت وطرابلس الغرب والبصرة وفيها خليج العجم ، وجدة وفيها البحر الأحمر ، قد قضت فرنسا بعد مصائب حرب 1870و 1871 عشرين سنة في إصلاح خلل نظامها الحربي ، وإعادته إلى ما كان عليه ، أما تركيا فقد نجحت في إتمام هذا العمل نفسه في نصف هذا الزمن ، وهو أحسن مدح يمكن للإنسان أن يمتدح به الدولة العلية ومليكها القادر .


0 التعليقات:
إرسال تعليق